أحمد بن محمد القسطلاني
192
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وهو : أن الأصحاب قالوا : وجه الدلالة منه ، أي من حديث كعب ، أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد ، والأصل الظهر ، فلا تصح الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف ، وقد ثبت جوازها بأربعين ، وثبت : " صلوا كما رأيتموني أصلي " . ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك ، فلا تجوز بأقل منه . وقال المالكية : اثني عشر . لحديث الباب . وقال أبو حنيفة ومحمد : أربعة بالإمام ، لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث ، لأنه جمع تسمية ومعنى ، والجماعة شرط على حدة ، وكذا الإمام فلا يعتبر منهم . وقال أبو يوسف : ثلاثة به ، لأن في الاثنين معنى الاجتماع وهي منبئة عنه . اه - . 936 - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا ، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } . [ الحديث 936 - أطرافه في : 2058 ، 2064 ، 4899 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا معاوية بن عمرو ) بفتح العين ، ابن المهلب ، الأزدي البغدادي الكوفي الأصل ، المتوفّى ببغداد سنة أربع عشرة ومائتين ، ( قال : حدّثنا زائدة ) بن قدامة الكوفي ( عن حصين ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ، ابن عبد الرحمن الواسطي ، ( عن سالم بن أبي الجعد ) بفتح الجيم وسكون العين ، رافع الكوفي ( قال : حدّثنا جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( قال : بينما ) بالميم ، وفي نسخة لأبي ذر : بينا ( نحن نصلي ) أي الجمعة ( مع النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . المراد بالصلاة هنا : انتظارها ، جمعًا بينه وبين رواية عبد الله بن إدريس ، عن حصين عند مسلم : ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب ، فهو من باب : تسمية الشيء باسم ما قاربه ، وهذا أليف بالصحابة تحسينًا للظن بهم . سلمنا أنه كان في الصلاة ، لكن يحتمل أنه وقع قبل النهي . نعم ، في المراسيل لأبي داود ، عن مقاتل بن حيان : أن الصلاة حينئذ كانت قبل الخطبة ، فإذا ثبت زال الإشكال . لكنه مع شذوذه معضل . وجواب بينما قوله : ( إذ أقبلت عير ) بكسر العين ، إبل ( تحمل طعامًا ) من الشام لدحية الكلبي ، أو لعبد الرحمن بن عوف : روى الأوّل الطبراني ، والثاني ابن مردويه ، وجمع بينهما باحتمال أن تكون لعبد الرحمن ، ودحية سفير ، أو كانا مشتركين ( فالتفتوا إليها ) أي انصرفوا إلى العير ، وفي رواية ابن فضيل في البيوع : فانفضّ الناس ، أي فتفرقوا ، وهو موافق للفظ الآية ، ( حتى ما بقي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا اثنا عشر رجلاً ) في رواية علي بن عاصم . عن حصين : حتى لم يبق معه إلا أربعون رجلاً . رواه الدارقطني . ولو سلم من ضعف حفظ علي بن عاصم وتفرده ، فإنه خالفه أصحاب حصين كلهم ، لكان من أقوى الأدلة للشافعية . وردّ المالكية على الشافعية والحنابلة ، حيث اشترطوا لصحة الجمعة أربعين رجلاً ، بقوله في حديث الباب : حتى ما بقي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا اثنا عشر رجلاً : وأجيب : بأنه ليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر ، بل يحتمل عودهم قبل طول الزمان ، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة . وقد اختلف فيما إذا انفضوا ، فقال الشافعية والحنابلة : لو انفض الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة ، أو بينها وبين الصلاة ، أو في الركعة الأولى ولم يعودوا ، أو عادوا بعد طول الفصل ، استأنف الإمام الخطبة والصلاة . ولو انفض السامعون للخطبة بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوا الخطبة ، أتم بهم الجمعة ، لأنهم إذا لحقوا والعدد تام ، صار حكمهم واحدًا ، فسقط عنهم سماع الخطبة ، أو انفضوا قبل إحرامهم استأنف الخطبة بهم ، لأنه لا تصح الجمعة بدونها ، وإن قصر الفضل لانتفاء سماعهم ولحوقهم . وقال أبو حنيفة : إذا نفر الناس قبل أن يركع الإمام ويسجد إلا النساء ، استقبل الظهر . وقال صاحباه : إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصلاة ، صلّى الجمعة . وإن نفروا عنه بعدما ركع وسجد سجدة ، بنى على الجمعة في قولهم جميعًا ، خلافًا لزفر . وقال المالكية : إن انفضوا بحيث لا يبقى مع الإمام أحد ، فلا تصح الجمعة ، وإن بقي معه اثنا عشر صحت ، ويتم بهم جمعة إذا بقوا إلى السلام ، فلو انفض منهم شيء قبل السلام بطلت . ( فنزلت هذه الآية { وإذا رأوا تجارة أو لهوًا } هو الطبل الذي كان يضرب لقدوم التجارة فرحًا بقدومها وإعلامًا ( { انفضوا إليها وتركوك قائمًا } ) . لم يقل : إليهما ، لأن اللهو لم يكن مقصودًا لذاته ، وإنما كان تبعًا للتجارة ، أو حذف لدلالة أحدها على الآخر . أي : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوًا انفضوا إليه . أو أُعيد الضمير إلى مصدر الفعل المتقدم وهو الرؤية ، أي : انفضوا إلى